مركز المعطيات و الدراسات الاستراتيجية

روسيا تخوض في المياه النفطية في شرق المتوسط

بهادراكومار

2019-08-19 16:25:00



ترجمة: مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية

الحرب الباردة التي تتشكل في شرقي المتوسط بسبب الاحتياطيات الهيدروكربونية في المنطقة هي بالفعل حرب متعددة الأقطاب، تبدو فيها مصر وإسرائيل وقبرص واليونان والولايات المتحدة وتركيا على أنها مجموعة اللاعبين الأساسيين. وفي منتصف شهر تموز تجاوز الاتحاد الأوروبي دور المراقب ليصبح عضواً مشاركاً فاعلاً. وبالإضافة إلى ذلك، ومع انتهاء شهر تموز تتقدم روسيا باتجاه المسرح، ليس كلاعب تماماً وإنما برغبة لتكون لاعباً إذا أتيح لها أن تحصل على دور ما.

الأسبوع الماضي، وفي لفتة جيدة، أشار وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى أن شركات النفط الروسية يمكنها أن تقوم بعمليات تنقيب في الحقول البحرية المتوسطية بالتعاون مع تركيا. وحسبما قال فإن الشركات الروسية نفذت بنجاح مشاريع طاقة في البحر الأبيض المتوسط، كشركة روزنفت، على سبيل المثال، التي تعمل في حقل زهر المصري. إن كانت هذه المشاريع ذات منفعة لجميع الأطراف من وجهة النظر التجارية فيمكن عندئذ للشركات الروسية أن تقرر التعاون مع تركيا في منطقة شرقي المتوسط.

ينظر نوفاك إلى ذلك كاقتراح تجاري لكنه، من منظوره كسياسي مؤثر في الكرملين، واعٍ تماماً لمعرفة أن جيوسياسة النفط والغاز، سواء أكانت في القطب الشمالي أو البحر الأسود أو الخليج الفارسي وشرقي المتوسط، هي جزء لا يتجزأ من سياسة بلاده الخارجية. ما جعل لفتة نوفاك هامة على نحو خاص هو ليس أنه اختار تركيا لتكون الشريك المحتمل لروسيا في شرقي المتوسط فقط، وإنما لأنه أرسل تلك اللفتة في لقاء حصري مع وكالة أنباء الأناضول التركية الرسمية، والذي وصفته وكالة الأنباء الروسية الحكومية تاس على الفور بأنه تقرير إخباري.

ليس ثمة شك في الموقف الروسي كون روسيا قوة طاقية عظمى والمزود الطاقي الأول لتركيا. وبالتأكيد لا يمكن لأي شراكة في شرقي المتوسط إلا أن تقوي التحالف بين روسيا وتركيا، وهو ما اكتسب مؤخراً نموذجاً جديداً من التعاون الدفاعي في أعقاب اتخاذ تركيا قراراً جريئاً بالضغط من أجل إتمام صفقة شراء منظومة الدفاع الصاروخي (S-400) الروسية بالرغم من التهديد بالعقوبات الأمريكية وبغض النظر عن عضوية تركيا في حلف شمالي الأطلسي.

المثير للاهتمام أن لفتة نوفاك تأتي في وقت تدفع فيه الخصومات الإقليمية متعددة الاتجاهات في حوض المتوسط تركيا ضد قبرص (المدعومة من قبل اليونان وإسرائيل وتتمتع بدعم الولايات المتحدة). أما المنافسات العنيفة الناجمة عن اكتشاف احتياطيات هيدروكربونية بحرية هائلة في حوض شرقي المتوسط من قبل إسرائيل وقبرص فتتشابك بشكل يائس اليوم مع علاقات الخصومة التقليدية لتركيا مع كل من قبرص واليونان.

وتكمن المسألة القبرصية غير المحلولة بعد تحت السطح والتي تعود إلى عام 1974 عندما نظمت الطغمة العسكرية في أثينا في ذلك الوقت انقلاباً ضد الدولة في نيقوسيا في محاولة لتوحيد البلدين وتدخلت تركيا بالتالي في قبرص عسكرياً واحتلت ثلثا الجزيرة في الشمال الذي تقطنه مجموعة من القبارصة الأتراك، وهو ما أصبح محمية تركية بحكم الأمر الواقع.

بالمختصر، فإن تركيا في نزاع خطير إقليمي خطير مع قبرص ولن تتخلى عن القيام بتحركات أحادية الجانب للاستيلاء على الاحتياطيات النفطية الهائلة في حوض شرقي المتوسط في المياه التي تعتبرها أنقرة تابعة للقبارصة الأتراك أو تلك التي تقع في النطاق الاقتصادي الخاص بتركيا.

يكفي القول إن مسألة التسوية في قبرص هو الموضوع الجوهري هنا إلا أن الرأي العام للقبارصة اليونانيين يظهر أنهم غير مهتمين بإعادة توحيد الجزيرة؛ فقد منح الاتحاد الأوروبي قبرص عضوية كاملة بعد أن صوت الشعب اليوناني عرقياً ضد إعادة التوحيد رافضين خطة التسوية التي تقدم بها كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت.

ما يعقد الأمور أكثر هو أن لتركيا علاقات ضعيفة مع إسرائيل التي شبّكت مع مصر واليونان في تحالف ثلاثي ضد تركيا مؤخراً (وبمباركة من واشنطن).

وبخصوص الولايات المتحدة فهي مستاءة من السياسة الخارجية المستقلة لتركيا وشركاتها النفطية الكبرى مثل إكسونموبل (ExxonMobil) تشارك في التنقيب عن النفط والغاز في حوض شرقي المتوسط في المياه التي تطالب قبرص بأحقيتها بها.

أعلنت شركة إكسونموبل في شهر شباط أنها حققت ثالث أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في العالم في غضون سنتين قبالة شواطئ قبرص في حوض المتوسط الشرقي في بئر (Glaucus-1). وهذه المنطقة معروفة بالفعل عالمياً على أنها أحد أكبر الاكتشافات. ويمثل هذا الاكتشاف مصدراً للغاز ويحتوي على قرابة 5 تريليون متر مكعب.

إضافة إلى ذلك، فإن الهدف الجيوستراتيجي الأمريكي يتمثل في تسويق الموارد الطاقية من حوض شرقي المتوسط في أوروبة والتي ترغب بالتخلص من هيمنة روسيا كمورد للطاقة، وأيضاً تمكين إسرائيل من الحصول على مصدر دخل كبير لها.

تركيا معزولة اليوم بسبب خصوماتها في شرقي المتوسط بالرغم من تكثيف أنقرة لعملياتها في التنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة. وبعد أن بدأت قبرص باستكشافاتها عبر شركة (ExxonMobil) وقيام السفن الأمريكية بتوفير الأمن لها، أرسلت أنقرة سفينتان للتنقيب وقامت قيادة القوات البحرية التركية بتوفير الأمن الكامل والمستمر للزوارق التي ستقوم بعمليات الاستخراج، بمساعدة مركبات جوية مسيرة ومراكب بحرية وقوارب هجومية وغواصات.

قامت تركيا بتدريب بحري كبير في حوض شرقي المتوسط وفي بحر إيجه والبحر الأسود في شهر أيار مؤكدة على حقوقها ليس فقط في قبرص وإنما أيضاً في اليونان. وتطالب تركيا بحقها في الرف القاري ليس فقط بالحصول على حصص من نطاقها الاقتصادي الخاص في قبرص وإنما بالتوسع غرباً حتى جزيرة كريت التابعة للنطاق الحصري لليونان. وهذا، في الواقع، يعني أن تركيا تسعى لتشارك مصادر الطاقة الساحلية مع كلٍ من قبرص واليونان.

قنبلة موقوتة بدأت بالعمل...

 لطالما حذرت واشنطن تركيا على نحو متكرر. وفي منتصف شهر تموز قام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بالضغط على أنقرة واصفين الأعمال التي تقوم بها غير قانونية وأصدروا بحقها عقوبات تتضمن تقليص مساعدات الاتحاد الأوروبي لتركيا بحدود 145.8 مليون يورو بحلول عام 2020، داعين بنك الاستثمار الأوروبي لمراجعة عمليات الإقراض في تركيا (358.8 مليون يورو العام الماضي)، وهددوا بالاستمرار بالعمل على خيارات الإجراءات المستهدفة.

رفضت تركيا بتحد كبير التدخل الأوروبي ولكنها ستشعر بانخفاض عزلتها إلى مدت روسيا لها يد المساعدة في هذه المرحلة المفصلية. النقطة الأساسية هنا هي أنه سيكون لغيوم العاصفة التي تتكاتف في حوض شرقي المتوسط تشعبات جيوسياسية خطيرة. فوفقاًلسيناريو حول (الغرب مقابل تركيا) والذي هو موجود بالفعل، يتوقع أن تصدر موسكو بياناً عميقاً في حال تعاونت شركات النفط الروسية مع تركيا.

أي تعاون تركي – روسي من هذا النوع سيكون مغيراً لقواعد اللعبة بشأن السياسة الإقليمية، في سورية، وبلاد الشام، والبحر الأسود وغيرها. ويتصادف هذا مع لحظة قام فيها البنتاغون بوصف روسيا في تقرير استراتيجي الشهر الماضي على أنها لاعب خبيث متجدد، والذي غالباً ما يعارض، من خلال تحالفه مع الصين، إجراءات مجلس الأمن الدولي والتي تكون برعاية أمريكية، ويعمل على الوصول إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب تكون فيه الولايات المتحدة أضعف وأقل تأثيراً.

في الواقع، إن أي تعاون روسي – تركي في حوض شرقي المتوسط سوف يتماشى مع السياسة العالمية. يمكنكم قراءة تقرير نهاية الأسبوع الوارد تحت عنوان: "الصين وروسيا تتعهدان بتعزيز التعاون والاستقرار العالمي".




عودة